محمد بن زكريا الرازي
24
المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )
ذكرناه . وذلك أن ما كانت عروقه ضيقة فدمه قليل ومن كانت عروقه واسعة فدمه كثير وهذا يحتمل قلة من الطعام والضيق العروق لا يحتمل وذلك أن الشيء الدسم الخفيف اللطيف من الدم يصير أغذاء للحرارة في الأبدان المائلة إلى الحرارة ويثقل في الأبدان التي هي إلى البرد أميل وترشح حتى يخرج من العروق باردا . فإذا لقي غشاء باردا من الأغشية جمد عليه وليس ينبغي أن يحكم على جميع البدن من عضو من أعضائه وأصحاب السراسم ( 4 ) أيضا لا يفعلون ذلك فضلا عن غيرهم بل يحكمون على كل عضو من نفس ذلك العضو وحده . فإذا رأوا إنسانا كثير الشعر في مقدم صدره حكموا عليه بأنه شديد الغضب وإذا رأوا إنسانا كثير الشعر في فخذه حكموا عليه بأنه عزيز الباءة ويقولون : إن من كثر شعر صدره فهو يشبه الأسد ومن كثر شعر فخذه فهو شبيه بالنسر وأكثرهم مع هذا لا يعلم ما السبب الأول الذي صار الأسد غضوبا وصار النسر قويا على السفاد . فأما الفيلسوف فإنه يعرف ما السبب في ذلك ويتوهم عليه . فمن ذلك أنّا إذا رأينا بدنا كثير الشعر في مقدم صدره فلن يجب أن يكون بدنه كله يميل إلى الحرارة واليبس بل نقول أن الحرارة منه في القلب على أكثر ما يكون ولذلك صار شديد الغضب وإذا كان مزاج البدن حارا يابسا وجب أن يكون الصدر واسعا وتكون العروق غير الصوارب واسعة ويكون العروق الضوارب عظاما وتكون نبضها في غاية العظم والقوة ويكون في أعضاء البدن كله شعر كثير ويكون جلده صلبا يميل إلى السواد ويكون شعر الرأس في السن الأول سريع النمو جعدا . فإذا تمادى بصاحبه الزمان لحقه الصلع . ومتى كانت أعضاء البدن أميل إلى البرد والرطوبة فإن صدر من هذه الحالة تكون ضيقا عديم الشعر ويكون بدنه أزعر ويكون جلده ناعما لينا أبيض ويكون شعره مائلا إلى الصهوية وخاصة في الحداثة وإذا شاخ لم يعرض له الصلع ويكون جبانا كسلان ويكون عروقه دقاقا غير بينة ويكون الشحم فيه كثيرا